الفرق بين عقيدة السلف و عقيدة المفوضة
أ- مقدمـــــة :
أقوال السلف الصالح:
1- قال القرطبي فى تفسيره : لم ينكر أحد من السلف أن الله تعالى استوى على العرش حقيقة ، وإنما جهلوا كيفية الإستواء فإنه لا تعلم حقيقته.
2- وقال: وأنهم لا يقولون بنفي الجهة ، ولا ينطقون إلا بما أخبرت به رسله ، وخصّ العرش بذلك لأنه أعظم المخلوقات ،وإنّما جهلوا كيفية الاستواء ، وأنه لا تعلم حقيقته.
3- قالت عن أم سلمة في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) قالت: الاستواء غير مجهول (أي معلوم في لغة العرب)، والكيف غير معقول (أي مجهول عندنا)، والإقرار به إيمان، والجحود به كفر.
4- وقال الشيخ أبو نصر السجزي في كتاب (الإبانة) له: "وأئمتنا كسفيان الثوري ومالك بن أنس وسفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وعبدالله بن المبارك وفضيل بن عياض وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية متفقون على أن الله سبحانه بذاته فوق العرش وأن علمه بكل مكان وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش ، وأنه ينزل إلى سماء الدنيا ، وأنه يغضب ويرضى ويتكلم بما شاء ، فمن خالف شيئاً من ذلك فهو منهم برىء وهم منه براء."
5- وقال أبو عمر بن عبد البر في كتاب (التمهيد) في شرح الموطأ: "أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة, والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز, إلا أنهم لا يكيفون شيئاً من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة؛ وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج, فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئاً منها على الحقيقة, ويزعمون أن من أقرّ بها مشبه وهم عند من أقر بها نافون للمعبود, والحق فيها ما قال القائلون: بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله, وهم أئمة الجماعة."
6- وسئل أبو علي الحسين بن الفضل البجلي عن الاستواء، وقيل له كيف استوى على عرشه، فقال: أنا لا أعرف من أنباء الغيب إلا مقدار ما كشف لنا، وقد أعلمنا جل ذكره أنه استوى على عرشه، ولم يخبرنا كيف استوى.
7- قال عبد الله بن المبارك: "نعرف ربنا فوق سبع عوات على العرش استوى بائنا منه خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية إنه ها هنا" وأشار إلى الأرض.
8- قال إسحاق بن إبراهم الحنظلي: قال لي الأمير عبدالله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا. كيف ينزل؟ قال، قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف.
9- قال محمد بن سلام، سألت عبدالله بن المبارك عن نزول ليلة النصف من شعبان، فقال عبدالله: يا ضعيف ليلة النصف! ينزل في كل ليلة، فقال الرجل يا أبا عبدالله! كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان منه؟ فقال عبدالله: "ينزل كيف يشاء".
10- سئل أبو حنيفة عنه فقال: "ينزل بلا كيف".
11- حماد بن أبي حنيفة: قلنا لهؤلاء: أرأيتم قول الله عز وجل (وجاء ربك والملك صفا صفا)؟ قالوا: أما الملائكة فيجيئون صفا صفا، وأما الرب تعالى فإنا لا ندري ما عنى لذاك، ولا ندري كيفية مجيئه، فقلت لهم: إنا لم نكلفكم أن تعلموا كيف جيئته، ولكنا نكلفكم أن تؤمنوا بمجيئه، أرأيت من أنكر أن الملك يجيء صفا صفا ما هو عندكم؟ قالوا: كافر مكذب. قلت: فكذلك إن أنكر أن الله سبحانه لا يجيء فهو كافر مكذب.
12- قال الإمام الشافعي: آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله.
13- وقال سفيان بن عيينة : كل ما وصف الله به نفسه في القرآن فقراءته تفسيره ولا كيف ولا مثل. (ذم التأويل لابن قدامة ص23)
ب- التعليق :
1- التفويض تفويضان: تفويض الكيفية الذى هو مذهب السلف. وتفويض المعنى الذى هو التفويض المذموم إذ هو نفىٌ للصفة ، قالت به الفرق الباطنية وقال به الملاحدة.
2- لايختلف أحدُ أهل السنة على أن نفى المعنى نفىٌ للصفة، لكنَّ كثيراً من العلماء قال بتفويض المعنى وهو يقصد الكيفية، فلم يخطئه أحد العلماء، بل التمسوا له العذر ، وأولوه لصالحه.
فقد قال ابن قدامة فى لمعة الاعتقاد : "وماأشكل من ذلك وجب اثباته لفظاً وترك التعرض لمعناه ونرد علمه إلى قائله"
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- فى شرحه لكتاب ابن قدامة "لمعة الاعتقاد" الصفحة 20 : (إنه لاكيف ولامعنى أى لانكيف هذه الصفات لأن تكييفها ممتن لما سبق وليس مراده أن لاكيفية لصفاته لأن صفاته ثابتةٌ حقاً وكل شئ ثابت فلا بد له من كيفية لكن كيفية صفات الله غير معلومة لنا ، وقوله (أى : ابن قدامة) : "ولامعنى" .. أى : (والكلام هنا لابن عثيمين) لا نثبت لها معنى يخالف ظاهرها كما فعله أهل التأويل وليس مراده نفى المعنى الصحيح الموافق لظاهرها الذى فسرها به السلف فإن هذا ثابت)
أ.هـ
ج- الرد على المفوضة:
قال شيخ الإسلام بن تيمية:
قال مالك و ربيعة <<الاستواء معلوم والكيف مجهول>>. قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف <<إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه>>. وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال إنهم تأولوها على غير تأويلها، وبين معناها. وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن، وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي، وإن لم يعلموا الكيفية. كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار، وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته.
فمن قال من السلف إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله بهذا المعنى، فهو حق. وأما من قال إن التأويل الذي هو تفسيره وبيان المراد منه لا يعلمه إلا الله، فهذا غلط، والصحابة والتابعون وجمهور الأمة على خلافه. قال مجاهد <<عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقفه عند كل آية وأسأله عنها>>. وقال عبدالله بن مسعود <<ما في كتاب الله آية إلا وأنا أعلم فيما أنزلت>>. وقال الحسن البصري <<ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها>>. وقال مسروق <<ما نسأل أصحاب محمد عن شيء إلا وعلمه في القرآن. ولكن علمنا قصر عنه>>. وقال الشعبي <<ما ابتدع قوم بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها>>.
(الصواعق المرسلة ج: 3 ص: 923-925)
و لقد رد القشيري في التذكرة الشرقية على المفوضة قائلاً:
"وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله الا الله ؟ أليس هذا من أعظم القدح في النبوات وأن النبي صلي الله عليه وسلم ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالي ودعا الخلق إلى علم ما لا يعلم ؟ أليس الله يقول ( بلسان عربي مبين ) ؟ فإذن : على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال " بلسان عربي مبين " إذ لم يكن معلوماً عندهم، وإلا : فأين هذا البيان ؟ وإذا كان بلغة العرب فكيف يدعي أنه مما لا تعلمه العرب ؟
ونسبة النبي صلي الله عليه وسلم إلى إنه دعا إلى رب موصوف بصفات لا تعقل : أمر عظيم لا يتخيله مسلم فأن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف . وقول من يقول : استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها واليد صفة ذاتية لا يعقل معناها والقدم صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه ضمنه تكييف وتشبيه ودعاء إلى الجهل . وإن قال الخصم بأن هذه الظواهر لا معني لها أصلاً فهو حكم بأنها ملغاة وما كان في إبلاغها إلينا فائدة وهي هدر . وهذا محال. وهذا مخالف لمذهب السلف القائلين بإمرارها على ظواهرها " .انتهى.
د- هي يجوز استعمال العقل في صفات الرحمان؟
إن أول قاعدة علينا أن نسلم بها قبل أن نخوض في هذه المسأئل هي:
الإيمان بما وصف الله به نفسه، لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله (أأنتم أعلم أم الله؟!).
فلا بد لنا من التسليم بشكل مطلق لا يقبل الجدل أن اللفظ الذي استعمله الله في القرآن الكريم لا يمكن أن يستبدل بلفظ آخر. و بالتالي لا يمكن لأحد أن يزعم أن ظاهر تلك الألفاظ فيه انتقاص لله تعالى. فهذا اتهام للخالق عز وجل بالعجز في التعبير رغم أنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، و هذا محال بلا أدنى شك. فهذه الصفات هي كلها صفات جلال و كمال.
و أول ما نلاحظ عن صفة الإستواء أن الله ما ذكرها في موضع من كتابه إلا مصحوبة بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها. (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين).
فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته نؤمن به ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) الشورى 11. وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه.
فالخلاصة أننا نقر بكل ما جاء في صفات الله في كتابه أو صحيح الحديث. و لا نتأولها و لا نعطلها. و لا نصف الله إلا بما وصف به هو نفسه لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله (أأنتم أعلم أم الله؟!). و بالتالي لا مجال لإعمال عقل المخلوق في صفات الخالق لأن هذا باطل عقلاً.
ه- شرح بعض الصفات:
قال الإمام مالك عن إستواء الله على عرشه: <<الإستواء معلوم، و الكيف مجهول>>. و هذا الكلام ينطبق على جميع صفات الله.
و لتوضيح الفرق بين معنى الصفة و كيفية الصفة أضرب لك مثل هذا المثال، ففواكه الجنة مشابهة بالإسم لفواكه الأرض لكنها مختلفة في الشكل و الطعم و الرائحة و التركيب. فالموز في الأرض ليس كالموز في الجنة و إن تشابهت الأسماء.
قال شيخ الإسلام:
والله سُبْحَانَهُ قَدْ أخبرنا أنّ فِي الجنة لحماً ولبناً، عسلاً وماءً، وحريراً وذهباً.
وَقَدْ قَالَ ابنُ عبّاسٍ رضي الله عنهما: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مما فِي الآخرة إِلاَّ الأسماء.
فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ المخلوقات الغائبة ليست مثل هَذِهِ المخلوقات المشاهدة - مَعَ اتفاقها فِي الأسماء- فالخالق أعظم علواً ومباينة لخلقه من مباينة المخلوق للمخلوق، وإن اتّفقت الأسماء.
وَقَدْ سمّى نفسه حياً عليماً، سميعاً بصيراً، وبعضها رؤوفاً رحيماً؛ وليس الحيّ كالحيّ، وَلاَ العليم كالعليم، وَلاَ السميع كالسميع، وَلاَ البصير كالبصير، وَلاَ الرؤوف كالرؤوف، وَلاَ الرحيم كالرّحيم.و إن أشكل عليك هذا المثال فسأطرح أمثلة ستكون أسهل عليك إن شاء الله.
لفظة (رأس) الراء والهمزة والسين، رأس. هذه الكلمة أضفها إلى المال وأضفها إلى الوادي وأضفها إلى الجبل. قل رأس المال، رأس الجبل. فانظر ما صار من الاختلاف بين هذه المعاني بحسب هذه الإضافات وهذا مخلوق ضعيف مسكين، فما بالك بالبون الشاسع الذي بين صفة الخالق جل وعلا وصفة المخلوق.
فإذا أثبت الله لنفسه أنه سميع، فإن السمع معلوم من حيث أصل المعنى (وهو إدراك الأصوات) لكن حقيقة ذلك بالنسبة إلى سمع الله تعالى غير معلومة، لأن حقيقة السمع تتباين حتى في المخلوقات، فالتباين فيها بين الخالق، والمخلوق، أبين وأعظم.
وإذا أخبر الله تعالى عن نفسه أنه استوى على عرشه فإن الاستواء من حيث أصل المعنى معلوم، لكن حقيقة الاستواء التي هو عليه غير معلومة بالنسبة إلى استواء الله على عرشه، لأن حقيقة الاستواء تتباين في حق المخلوق، فليس الاستواء على كرسي مستقر كالاستواء على رحل بعير صعب نفور، فإذا تباينت في حق المخلوق، فالتباين فيها بين الخالق، والمخلوق أبين وأعظم. و الكلام يتكرر بحذافيره لصفة اليد و صفة النزول. و قد سبق و نقلانا كلام السلف في ذلك. أما ما أضافه بعض العلماء ككلمة حقيقية فهي للرد على الجهمية الذين أنكروا تلك الصفة فرد عليهم العلماء بأن تلك الصفحة حقيقية. و للإمام الذهبي بحث طويل في هذه الكلمة رغم أنها لم ترد عن السلف.
و لتفهم الفرق بين تفويض المعنى و تفويض الكيفية أطرح عليك هذا السؤال: هل تعتقد بأن هناك فرق بين صفة اليد و صفة الساق و صفة العين؟
إذا قلت لا فرق بين هذه الكلمات لأنه لا معنى لها أو هي كلمات أعجمية لا يعرف معناها أحد، فأنت إذاً مفوض. و هذا فيه اتهام الله بالجهل بل يفضي إلى تعطيل صفات الله و نفيها، فإن الجهل بالصفات يؤدي إلى الجهل بالموصوف كما ذكر القشيري (و هو من أئمة الأشاعرة).
و إذا قلت نعم هناك فرق بلا شك بين اليد و الساق و العين. (لاحظ أنك لست مضطراً لتقديم تعريف لمعنى كل صفة. فقط تعرف أنها صفات مختلفة).
سنسألك كيف هو الفرق؟
ستقول أم الكيفية فلا أعلمها.
نقول فهذه هي عقيدة السلف!